متسلسلة الكائنات الرهيبة.. تحويل قصة سلسلة نوفا الى رواية

  • بادئ الموضوع بادئ الموضوع الملكة
  • تاريخ البدء تاريخ البدء
  • المشاهدات 13
متسلسلة
**الفصل الأول**
**الساعات الأربع**

لم تستغرق نهاية العالم أكثر من أربع ساعات.

في الساعة الحادية عشرة والدقيقة السابعة عشر من صباح ذلك اليوم الرمادي، انفتح الأفق الشرقي على ضوء أبيض خاطف لم يكن للشمس. ضوء نقي، بارد، بلا ظل. ثم جاء الصوت بعد ثوانٍ... صوت لم يكن صوت انفجار، بل صوت تمزق السماء نفسها.

كان الدكتور م يقف في الطابق السفلي من وزارة الدفاع، أمام شاشات العرض الكبيرة، حين اهتزت الأرض للمرة الأولى. لم يصرخ أحد في البداية. اكتفى الجميع بالتحديق في الشاشات التي تحولت فجأة إلى بياض مطلق، ثم إلى سواد، ثم إلى صور مشوشة لمدن تُبتلع في كرات نارية هائلة.

أربع ساعات فقط.

في الساعة الأولى أُطلقت الصواريخ النووية.
في الساعة الثانية بدأت الأسلحة الجرثومية تسقط كالمطر الأسود فوق العواصم.
في الساعة الثالثة انتشرت السحب البيولوجية التي كانت تأكل اللحم البشري في دقائق.
وفي الساعة الرابعة... ساد الصمت.

الصمت الذي جاء بعد ذلك كان أثقل من أي صوت.

خرج الدكتور م من المخبأ بعد سبعة أيام، حين قالت الأجهزة إن مستوى الإشعاع انخفض بما يكفي ليخرج الإنسان دون أن يموت في ساعتين. ارتدى البدلة الواقية الثقيلة، وفتح الباب المعدني السميك، ووقف على عتبة العالم الجديد.

كانت السماء رمادية.
ليست رمادية السحب العادية، بل رمادية كثيفة، ميتة، بلا أي أثر للأزرق الذي عرفه طوال حياته. الشمس نفسها كانت قرصاً باهتاً يحاول أن يخترق الضباب الثقيل فلا يستطيع.

المدينة التي أحبها لم تكن موجودة.
كانت هناك هياكل معدنية ملتوية، وأعمدة إسمنتية مكسورة، وشوارع مليئة بالرماد والجثث المتفحمة التي لم يعد أحد يهتم بدفنها. رائحة اللحم المحروق ما زالت عالقة في الهواء، مختلطة برائحة شيء كيميائي حاد يحرق الحلق مع كل نفس.

سار ببطء بين الأنقاض.
مرّ بمبانٍ كانت يوماً ما جامعات ومستشفيات ومراكز أبحاث. الآن لم تكن سوى هياكل سوداء تنظر إليه بعيون فارغة. في أحد الشوارع الجانبية رأى مجموعة من الناجين يتحركون كالأشباح، يبحثون في الأنقاض عن أي شيء يمكن أكله. نظروا إليه للحظة، ثم عادوا إلى بحثهم دون أن ينبسوا بكلمة. لم يعد هناك ما يقال.

رفع رأسه إلى السماء الرمادية وتساءل للمرة المائة:
كيف استطاع الإنسان أن يدمر كل هذا في أربع ساعات فقط؟

الإنسان الذي وصل إلى القمر، الذي أرسل سفنه إلى المريخ، الذي فك شفرة الجينوم البشري... انتهى في أربع ساعات.

وضع يده على صدره، فوق المكان الذي كان يحتفظ فيه بصورة قديمة لزوجته وولديه. الصورة لم تعد موجودة. احترقت مع كل شيء آخر في اليوم الأول. لكن صورتهما ظلت محفورة في ذاكرته أوضح من أي شيء يراه الآن.

ابتسم ابتسامة مريرة وباردة.
ثم واصل السير نحو ما تبقى من منزله.

هناك، تحت الأنقاض، كانت الآلة تنتظره.

**الفصل الثاني**
**الناجي الوحيد**

خرج من المخبأ في اليوم السابع.

البدلة الواقية كانت ثقيلة على جسده النحيل، والخوذة تضغط على رأسه كأن أحداً يحاول خنقه ببطء. فتح الباب المعدني السميك ببطء، فاندفع نحوه هواء بارد وجاف يحمل رائحة الرماد والمعادن المحترقة. توقف على العتبة لحظات طويلة، يحدق في العالم الذي لم يعد يعرفه.

السماء ما زالت رمادية.
لا شمس حقيقية، ولا زرقاء، ولا حتى غيم أبيض. فقط طبقة كثيفة ميتة تغطي كل شيء ككفن عملاق.

سار بين الأنقاض بخطوات بطيئة وحذرة. الشوارع التي كان يقطعها كل صباح في طريقه إلى الجامعة أصبحت مجرد ممرات ضيقة بين أكوام من الإسمنت المتهدم والحديد الملتوي. في أحد التقاطعات رأى حافلة محترقة مقلوبة على جانبها، وفي داخلها بقايا بشرية متفحمة ما زالت جالسة في مقاعدها كأنها تنتظر الإشارة الخضراء إلى الأبد.

لم يبكِ.
كان البكاء رفاهية لم يعد يملكها.

وصل إلى الحي الذي كان يسكنه بعد ساعتين من المشي. البيت الذي أحبه لم يكن موجوداً. الجدران انهارت إلى الداخل، والسقف اختفى تماماً، والحديقة الصغيرة التي كانت زوجته تعتني بأزهارها أصبحت حفرة سوداء مليئة بالزجاج المكسور. وقف أمام البوابة المحطمة طويلاً، ثم دخل.

في ما تبقى من غرفة المعيشة وجد إطار صورة مقلوباً على الأرض. رفعه بأصابع مرتجفة. الزجاج كان محطماً، والصورة نفسها تشوهت بفعل الحرارة، لكن ملامحها ما زالت واضحة بما يكفي: زوجته تبتسم، والولدان يقفان أمامها، أحدهما يمسك بيده لعبة فضائية صغيرة كان قد اشتراها له في عيد ميلاده الأخير.

جلس على الأرض وسط الركام، ووضع الصورة على ركبتيه، وحدّق فيها حتى غابت الشمس الباهتة خلف الضباب الرمادي.

في الليلة الأولى نام هناك، ملفوفاً بالبدلة الواقية، يستمع إلى صوت الرياح وهي تمر بين الهياكل المعدنية كأنها تئن. في الليلة الثانية بدأ يبحث في الأنقاض عن أي طعام معلب نجا من الحرائق. وجد علبتين من اللحم وعلبة فاصوليا. أكلهما ببطء، كمن يؤدي طقساً جنائزياً.

في اليوم الثالث رأى مجموعة من الناجين على بعد مئتي متر. كانوا ثلاثة رجال وامرأة، يحملون أكياساً ويسيرون بسرعة. رفع يده ليناديهم، لكن أحدهم رفع سلاحاً قديماً وصوّبه نحوه. أنزل يده فوراً وجلس القرفصاء خلف جدار متهدم حتى اختفوا.

فهم الدرس بسرعة:
في هذا العالم الجديد، الإنسان لم يعد أخاً للإنسان.
صار عدواً أو فريسة أو منافساً على علبة طعام.

في الليلة الرابعة جلس أمام ما تبقى من نافذة غرفة نومه السابقة، ينظر إلى السماء الرمادية، ويهمس بأسماء زوجته وولديه مراراً وتكراراً، كأنه يخاف أن ينسى نطقها.

ثم صمت فجأة.

وفكر للمرة الأولى بجدية في الآلة التي تركها في القبو تحت أنقاض المنزل... الآلة التي كان يعرض رسوماتها على الجنرالات قبل أن تنتهي الدنيا في أربع ساعات.

ابتسم ابتسامة باردة، ومسّ بإصبعه الصورة المشوهة، ثم همس في الظلام:

«ربما... كان يجب أن ينتهي كل هذا منذ زمن طويل».

**الفصل الثالث**
**الحياة في الأطلال**

مرّت الأسابيع ببطء كأنها سنوات.

تعلم الدكتور م أن يعيش كما يعيش الحيوان الجريح: ينام قليلاً، يستيقظ على أي صوت، ويتحرك في الظلام أكثر مما يتحرك في النهار الباهت. السماء لم تتغير. ظلت رمادية كثيفة، ثقيلة، لا تُظهر نجماً ولا قمراً ولا حتى لوناً حقيقياً للشمس. فقط ضوء شاحب ينتشر في منتصف النهار ثم يختفي مبكراً.

الطعام كان المشكلة الأولى.

بعد أن انتهت العلب القليلة التي وجدها في أنقاض بيته، بدأ يخرج يومياً يبحث في المباني المنهارة. كان يجد أحياناً علبة فاسدة أو كيساً من الأرز المحترق، وأحياناً لا يجد شيئاً. في أحد الأيام اضطر أن يأكل من جذور نباتات غريبة نبتت بين الشقوق، فأصابته حمى استمرت يومين كاملين.

ثم ظهرت الفئران.

كانت فئران وردية اللون، بلا شعر، كبيرة الحجم، وعيونها حمراء لامعة. في البداية كان يراها من بعيد وهي تتقاتل على بقايا الجثث. ثم بدأت تقترب. في صباح أحد الأيام استيقظ على ألم حاد في ساقه، فوجد أحدها قد عضّه وهو نائم. قتلها بحجر، ثم قتل اثنتين أخريين في الليلة التالية. بعد ذلك لم يعد ينام إلا وهو يضع حجراً كبيراً بجانبه.

الناجون الآخرون كانوا أخطر من الفئران.

في الأسبوع الثالث صادف مجموعة من خمسة رجال قرب ما تبقى من السوبرماركت الكبير. كانوا يحملون بنادق صيد قديمة وسكاكين. طلبوا منه ما معه. قال إنه لا يملك شيئاً. ضحك أحدهم وضربه بقاعدة البندقية على كتفه، فسقط. فتشوا ملابسه وأخذوا علبة الفاصوليا الأخيرة التي كان يحتفظ بها، ثم تركوه ملقى على الأرض وهو يبصق الدم.

في تلك الليلة جلس أمام النار الصغيرة التي أشعلها من بقايا الخشب، وراح يحدق في اللهب حتى احترقت عيناه.

فكر في زوجته.
فكر في ولديه وهما يلعبان في الحديقة قبل الحرب.
فكر في الجامعة، وفي المحاضرات، وفي الطلاب الذين كانوا يضحكون في الممرات.

ثم فكر في الإنسان نفسه.

الإنسان الذي بنى المدن ووصل إلى النجوم... هو نفسه الذي دمر كل شيء في أربع ساعات، وهو نفسه الذي يضرب أخاه الآن من أجل علبة فاصوليا.

همس لنفسه بصوت أجش:

«نحن لا نستحق النجاة».

في الأسبوع الخامس وجد القبو.

كان يحفر في أنقاض منزله بحثاً عن أي شيء يمكن استخدامه، حين لمس بيده سطحاً معدنياً بارداً. أزاح الركام ببطء، فظهر باب القبو الذي كان قد نسيه تماماً. الباب كان مغلقاً بإحكام، والمفتاح ما زال في جيبه الداخلي من أيام الحرب.

فتحه.

نزل الدرج المظلم، وأشعل شمعة وجدها في زاوية. الهواء كان بارداً وراكداً، لكنه نظيف نسبياً. وفي الزاوية البعيدة، مغطاة بغطاء بلاستيكي سميك، كانت الآلة... والمولد بجانبها.

وقف أمامها طويلاً، والشموع ترسم ظلالاً راقصة على جدران القبو.

ابتسم للمرة الأولى منذ أسابيع.
ابتسامة بطيئة، باردة، ومخيفة قليلاً.

ثم همس في الظلام:

«حسناً... سأعطيكم فرصة أخرى».

**الفصل الرابع**
**اكتشاف الآلة**

نزل الدرج ببطء، كمن ينزل إلى قبره.

كل درجة كانت تُصدر صوت صرير خافتاً تحت قدمه، والشمعة التي يحملها ترسم دوائر مهتزة من الضوء على الجدران الرطبة. الهواء في القبو كان مختلفاً... بارداً، راكداً، لكنه نظيف نسبياً، خالياً من رائحة الرماد واللحوم المحترقة التي اعتادها في الخارج.

في الزاوية البعيدة لمح الشكل المغطى بالبلاستيك السميك. رفع الغطاء بيدين مرتجفتين، فظهرت الآلة كما تركها قبل الحرب تماماً.

كرة معدنية كبيرة مصقولة، ترتكز على قاعدة عريضة مليئة بالأسلاك والمؤشرات واللوحات الإلكترونية. بجانبها المولد الشمسي الذي كان قد صممه ليشحن البطاريات في حال انقطاع الكهرباء. كل شيء كان كما هو... كأنه ينتظره.

جلس على الأرض أمامها، ووضع الشمعة جانباً، وراح يمرر أصابعه على سطحها البارد.

تذكر.

تذكر القاعة الكبيرة في وزارة الدفاع، والجنرالات الذين كانوا يجلسون حوله بوجوه متجهمة وهم ينظرون إلى الرسومات والمخططات. تذكر كيف شرح لهم نظرية البعد الرابع، وكيف أن الزمن ليس خطاً مستقيماً بل بعداً يمكن السفر عبره إذا وصلت المادة إلى سرعة الضوء وحولتها إلى طاقة.

أحد الجنرالات ضحك يومها وقال:
«دكتور... نحن بحاجة إلى أسلحة تقتل الآن، لا إلى آلات تسافر إلى الماضي».

الآن صار هذا الجنرال رماداً في مكان ما تحت الأنقاض، وصارت كل أسلحتهم سبباً في نهاية كل شيء.

أدار المفتاح الصغير في لوحة التحكم. المولد أصدر صوت طنين خافتاً في البداية، ثم ارتفع الصوت تدريجياً حتى ملأ القبو. الأضواء الخافتة على اللوحة بدأت تومض واحدة تلو الأخرى. البطاريات ما زالت تحتفظ بشحنة كافية.

أغمض عينيه لحظة.

رأى وجه زوجته وهي تبتسم له من بوابة المنزل.
رأى ولديه يركضان نحوه في الحديقة.
ثم رأى السماء تتحول إلى الأبيض القاتل في ذلك الصباح الرهيب.

فتح عينيه من جديد، ونظر إلى الآلة نظرة طويلة وعميقة.

همس بصوت أجش كأنه يخاطب شخصاً حياً:

«أنتم فشلتم... كلنا فشلنا.
ربما كان يجب أن نعطي الفرصة لكائن آخر».

وقف ببطء، ومسح الغبار عن لوحة التحكم، ثم بدأ يفحص التوصيلات واحدة تلو الأخرى بيد خبيرة. في الخارج كانت الرياح تعوي بين الأنقاض، والفئران الوردية تتقاتل في الظلام، والناجون الآخرون يبحثون عن طعام أو يقتلون من أجل علبة محفوظات.

أما هو... فكان قد اتخذ قراره.

ابتسم ابتسامة بطيئة وباردة، وأطفأ الشمعة تاركاً القبو في ظلام شبه تام، لا يضيئه سوى الومضات الخضراء الخافتة على لوحة الآلة.

ثم صعد الدرج بخطوات واثقة لأول مرة منذ أسابيع.

**الفصل الخامس**
**القرار الجنوني**

ظل يجلس أمام الآلة ثلاث ليالٍ متتالية.

في الليلة الأولى اكتفى بالنظر إليها والصمت.
في الليلة الثانية بدأ يمرر أصابعه على الأزرار والمؤشرات، يعيد حساب المعادلات في رأسه، يتأكد من أن كل شيء ما زال يعمل.
أما في الليلة الثالثة... فقد بدأ يتكلم.

كان صوته أجش، خافتاً، كأنه يخاطب شخصاً يجلس في الظلام أمامه:

«أربع ساعات... فقط أربع ساعات.
بنينا المدن والمستشفيات والجامعات والسفن الفضائية... ثم دمرنا كل شيء في أربع ساعات.
هل هذا هو ذكاء الإنسان؟ هل هذه هي عظمته؟»

ضحك ضحكة قصيرة وباردة ارتدت من جدران القبو.

rememembered زوجته وهي تقول له ذات مساء وهي تضع رأسها على كتفه:
«أحياناً أخاف من ذكائكم أنتم العلماء... تخترعون أشياء جميلة جداً وأشياء مرعبة جداً في الوقت نفسه».

الآن صارت كلماتها تبدو كنبوءة.

في الصباح الرابع خرج إلى ما تبقى من حديقته.

الأرض كانت مغطاة بطبقة رقيقة من الرماد الأسود، والنباتات ماتت كلها إلا بعض الأعشاب البرية القاسية التي رفضت الاستسلام. راح يبحث ببطء بين الشقوق والحجارة، حتى وجد ما يريد: ممراً صغيراً للنمل ما زال نشطاً تحت صخرة مائلة.

حفر بأصابعه بعناية.
أخرج ملكة بعد أخرى... ثماني ملكات في المجموع، كل واحدة منها ممتلئة بالبيض اللزج الشفاف. وضعها بحرص داخل علبة معدنية صغيرة وجدها بين الأنقاض، ثم عاد إلى القبو وهو يحس بشيء غريب يتحرك في صدره... شيء يشبه الأمل، أو الجنون، أو الاثنين معاً.

جلس أمام الآلة مرة أخرى، والعلبة المعدنية بين يديه.

همس وهو ينظر إلى الملكات:

«أنتم لا تعرفون الحقد.
لا تعرفون الطمع.
لا تبنون أسلحة تمحو المدن في دقائق.
ربما... إذا أعطاكم الزمن عشرين مليون سنة... ستصنعون عالماً أفضل منا».

رفع رأسه إلى السقف المظلم للقبو، كأنه يخاطب السماء الرمادية في الخارج:

«سأعطيكم الفرصة.
سأزرعكم في الماضي البعيد، ثم أقفز إلى المستقبل لأرى النتيجة.
إذا فشلتم أنتم أيضاً... فليكن.
أما إذا نجحتم... فربما أستحق أن أموت وأنا أعلم أن شيئاً أفضل من الإنسان قد ورث الأرض».

وضع العلبة المعدنية بجانب مقعد القيادة داخل الآلة، ثم بدأ يضبط الإحداثيات بأصابع ثابتة لأول مرة منذ أسابيع.

عشرون مليون سنة إلى الوراء.

Panneau التحكم أضاء بالأرقام الخضراء الباهتة. المولد أصدر طنينه المعتاد. الباب المعدني للآلة انغلق خلفه بصوت مكتوم.

جلس في المقعد، وربط الأحزمة، ووضع يده على المفتاح الرئيسي.

ابتسم في الظلام ابتسامة أخيرة، بطيئة وعميقة، ثم همس بصوت لم يعد يسمعه أحد في العالم كله:

«إلى اللقاء... أيها الجنس البشري».

وأدار المفتاح.

**الفصل السادس**
**القفز الزمني**

أدار المفتاح.

في البداية لم يحدث شيء.
ثم بدأ الطنين الخافت يتحول إلى اهتزاز ينتقل من قاعدة الآلة إلى عموده الفقري. الأضواء على اللوحة أخذت تومض بسرعة متزايدة، والأرقام الخضراء راحت تتغير بوتيرة مجنونة لا يمكن للعين متابعتها.

ثم جاء الصوت.

صوت لم يكن صوت محرك أو مولد... بل صوت الكون نفسه وهو يتمزق. صوت عميق، هادر، يصم الآذان ويجعل الأسنان تصطك والقلب يخفق بعنف كأنه يحاول الهرب من القفص الصدري. شعر أن جسده يُسحق ويُمدد في الوقت نفسه، وأن الزمن لم يعد خطّاً بل دوامة تبتلعه.

أغمض عينيه بقوة.

رأى ومضات سريعة جداً: وجه زوجته، ضحك ولديه، قاعة المحاضرات، السماء البيضاء في لحظة الانفجار الأول، ثم سواد مطلق.

بعد ذلك... السكون.

فتح عينيه ببطء.

الباب المعدني كان مفتوحاً قليلاً، وهواء رطب ثقيل يندفع إلى داخل الآلة. رائحة تراب مبتل وأوراق متعفنة ونباتات برية. لم تكن رائحة الرماد ولا المعادن المحترقة. كانت رائحة حياة قديمة جداً.

خرج بخطوات مترددة.

الأرض تحت قدميه كانت طينية ولزجة. حوله أشجار عملاقة ذات جذوع سميكة وأوراق عريضة تتصاعد إلى ارتفاع لا تدركه العين. الضباب الكثيف يلف كل شيء، ويجعل الأشجار تبدو كأشباح خضراء هائلة. السماء... كانت مختلفة. ليست رمادية ميتة، بل مغطاة بغيوم ثقيلة منخفضة، وفي الفجوات بينها يظهر لون أزرق باهت وغريب.

من بعيد جاء صوت هدير عميق، ثم صوت ارتطام شيء ضخم بالأرض. ارتعش جسده غريزياً. وضع يده على صدره، ثم تذكر أنه لم يعد هناك شيء يحميه هنا... لا بدلة واقية، ولا سلاح، ولا حتى مدينة مهدمة يختبئ فيها.

سار بضع خطوات بعيداً عن الآلة، والوحل يلتصق بحذائه. توقف تحت شجرة هائلة ورفع رأسه.

همس بصوت مبحوح كاد الهواء الرطب يبتلعه:

«عشرون مليون سنة... قبل أن يوجد الإنسان».

ابتسم ابتسامة بطيئة، نصفها دهشة ونصفها جنون هادئ.

ثم أخرج العلبة المعدنية من جيبه، وفتحها بحذر. الملكات الثماني كانت ما زالت حية، تتحرك ببطء داخل البيض اللزج.

نظر إليها طويلاً، ثم رفع عينيه إلى الغابة البدائية المحيطة به، وقال بصوت خافت كأنه يؤدي طقساً سرياً:

«هنا... ستبدأون».

**الفصل السابع**
**عالم ما قبل الإنسان**

سار بين الأشجار العملاقة كمن يمشي في حلم قديم جداً.

كل خطوة كانت تغوص قدماه في الوحل الطري، وكل نفس كان يمتلئ برائحة الرطوبة والأوراق المتحللة والحياة البرية الكثيفة. الضباب لم يكن يرفع تماماً؛ كان يتحرك ببطء ككائن حي، فيكشف عن جذوع هائلة ثم يغطيها من جديد. أوراق الأشجار كانت عريضة كأذرع بشرية، وخضراء داكنة لامعة من الرطوبة الدائمة.

من بعيد جاء هدير آخر، أعمق هذه المرة، تبعه صوت تكسر أغصان ضخمة. توقف الدكتور م مكانه، وضم العلبة المعدنية إلى صدره غريزياً. لم يكن يعرف ما الحيوان الذي يصدر هذا الصوت، ولم يكن يريد أن يعرفه. في هذا الزمن... هو الكائن الأضعف على الإطلاق.

واصل السير بحذر، يختار الأماكن الأكثر انفتاحاً نسبياً. بعد نحو ساعة وصل إلى حافة مستنقع واسع تغطيه نباتات مائية غريبة وأزهار عملاقة ذات ألوان فاقعة لم يرها من قبل. على الضفة المقابلة لمح شيئاً يتحرك... جسماً ضخماً رمادياً، طويلاً كشاحنة، يرفع رأسه الصغير نسبياً ويمضغ أوراقاً عالية بهدوء.

ديناصور.

وقف يراقبه من خلف شجرة، والقلب يدق في أذنيه. لم يكن خائفاً بالمعنى المعتاد؛ كان مذهولاً. هذا الكائن الذي لم يره أحد من جنسه إلا في الكتب والهياكل العظمية... يقف أمامه الآن حياً، يتنفس، يأكل، ويعيش في عالم لم يعرف الإنسان بعد.

ابتسم ابتسامة مريرة.

«أنتم حكمتم الأرض ملايين السنين... ثم انقرضتم.
ونحن حكمناها بضعة آلاف فقط... ودمرناها في أربع ساعات».

ابتعد ببطء عن المستنقع، وعاد يغوص بين الأشجار. الوحدة هنا كانت مختلفة عن الوحدة في الأطلال. هناك كان يشعر أنه آخر البشر. هنا... كان يشعر أنه لا ينتمي إلى هذا المكان أصلاً. لا أثر لأي شيء بشري، لا حجر منحوت، لا طريق، لا صوت مألوف. فقط الغابة البدائية وأصواتها القديمة والضباب الذي يبتلع كل شيء.

جلس أخيراً على جذر شجرة ضخم ناتئ من الأرض، ووضع العلبة المعدنية أمامه، وراح يحدق في الملكات الصغيرة داخلها.

همس وهو يمسح العرق والرطوبة عن جبينه:

«ستجدون هنا كل ما تحتاجون... طعاماً، أرضاً، زمناً لا نهائياً.
ولن يكون هناك بشر ليدمروكم».

رفع رأسه إلى السماء المحجوبة بالغيوم المنخفضة، واستمع إلى هدير بعيد آخر يتردد بين الأشجار كصدى قادم من أعماق الزمن.

ثم أغلق عينيه لحظة، وسمح للوحدة المطلقة أن تجلسه هناك طويلاً... وحيداً تماماً في عالم لم يكن للإنسان فيه مكان.

**الفصل الثامن**
**زراعة المستقبل**

اختار المكان بعناية.

على بعد نحو مئتي متر من الآلة، حيث ترتفع الأرض قليلاً عن المستنقعات وتكون التربة أكثر تماسكاً تحت طبقة الأوراق المتعفنة. ركع على ركبتيه، وبدأ يحفر بأصابعه. الأظافر امتلأت بالطين الأسود الرطب، والوحل التصق بثيابه حتى الكوعين، لكنه لم يتوقف. كان يحفر بتركيز رجل يؤدي طقساً مقدساً.

حفر الحفرة الأولى بعمق مناسب، ثم أخرج الملكة الأولى من العلبة المعدنية بحذر شديد. كانت كبيرة نسبياً، بطنها ممتلئ بالبيض اللزج الشفاف الذي كان يتحرك قليلاً كأنه يتنفس. وضعها في قاع الحفرة، وغطاها بالتراب الرطب بأصابع مرتجفة، ثم ربت على المكان كمن يودع شيئاً ثميناً.

انتقل بضعة أمتار وكرر العملية.

ملكة بعد أخرى... حتى الثامنة.

عندما انتهى من الملكة الأخيرة، جلس القرفصاء أمام الحفر الثماني، يتنفس بصعوبة، والعرق يختلط بالوحل على وجهه. رفع رأسه إلى الغابة الكثيفة المحيطة به، ثم إلى السماء المنخفضة المغطاة بالغيوم.

ابتسم.

ابتسامة بطيئة، عريضة، ومجنونة تماماً. ابتسامة لم تخرج من شفتيه منذ أن انتهت الحرب. ضحك ضحكة خافتة في البداية، ثم ارتفع صوته حتى تردد بين الأشجار العملاقة كأنه صوت رجل فقد عقله منذ زمن طويل.

«هذه... أعظم لحظات التاريخ.

ليس اكتشاف النار، ولا اختراع العجلة، ولا الهبوط على القمر.
هذه اللحظة... الآن... هنا».

مسح الطين عن يديه بثيابه الممزقة، ثم وقف ببطء ونظر إلى الحفر التي زرع فيها مستقبل كوكب كامل.

همس بصوت أجش مملوء بيقين من النشوة واليأس:

«عشرون مليون سنة.
هذا كل ما تحتاجونه.
انموا... تطوروا... احكموا.
وكونوا أفضل منا».

التفت نحو الآلة التي كانت تنتظره بين الضباب كوحش معدني صامت. مشى نحوها بخطوات واثقة، دون أن ينظر خلفه مرة أخرى إلى الحفر الثماني.

صعد إلى الداخل، وأغلق الباب خلفه، وجلس في المقعد.

وضع يده على لوحة التحكم، وضبط المؤشر على عشرين مليون سنة... إلى الأمام.

ابتسم للمرة الأخيرة في هذا الزمن البدائي، ثم همس وهو يدير المفتاح:

«الآن... أروني ما الذي ستصنعونه».

بدأ الطنين.
ثم الاهتزاز.
ثم صوت الكون وهو يتمزق من جديد.

**الفصل التاسع**
**العودة**

أدار المفتاح للمرة الثانية.

الاهتزاز جاء أسرع هذه المرة، كأن الآلة تعرف الطريق. الصوت الهادر ملأ رأسه من جديد، والظلام التف حوله ككفن سميك. شعر بجسده يتمدد ويتقلص في الوقت نفسه، ورأى ومضات سريعة جداً: الغابة البدائية، الملكات الثماني تحت التراب، وجه زوجته، السماء البيضاء لحظة الانفجار، ثم سواد طويل لا نهاية له.

فكر وهو يغرق في الدوامة:

«هل سيتحد البشر حين يرون جنساً غريباً يحكم الأرض؟
هل سيتوقفون عن قتل بعضهم بعضاً؟
أم أنهم سيشنون حرباً جديدة... حرباً ضد النمل هذه المرة؟»

ضحكة قصيرة ومكتومة خرجت من حلقه وسط الضجيج.

«أو ربما... لن يجدوا أحداً يتحدون ضده أصلاً.
ربما أكون قد محوتهم قبل أن يولدوا».

ثم جاء السكون فجأة.

فتح عينيه.

الباب كان مغلقاً. الأضواء على اللوحة تومض بانتظام هادئ. الاهتزاز توقف تماماً. مد يده ببطء وأدار مقبض الباب.

اندفع إليه هواء مختلف تماماً.

ليس هواء الغابة الرطب الثقيل، ولا هواء الأطلال المليء بالرماد. هواء جاف، بارد قليلاً، يحمل رائحة معدن نظيف وكهرباء خافتة... وشيئاً آخر لم يستطع تحديده. رائحة كيميائية خفيفة، منظمة، شبه معقمة.

خرج من الآلة بخطوات حذرة.

السماء فوقه كانت رمادية... لكنها رمادية مختلفة عن رمادية ما بعد الحرب. رمادية منتظمة، مصقولة تقريباً، بلا غيوم عشوائية. والأرض تحت قدميه لم تكن وحلاً ولا رماداً؛ كانت سطحاً معدنياً أملس رمادياً يمتد في كل الاتجاهات.

رفع رأسه.

أمامه ارتفعت مبانٍ مخروطية هائلة، رمادية معدنية، لامعة تحت الضوء الباهت. بعضها يرتفع عشرات الأمتار، وبعضها الآخر يختفي في الضباب المنخفض. لا نوافذ بالمعنى البشري، ولا أبواب واضحة، ولا أي إشارة إلى حياة آدمية.

صمت مطبق.

لا صوت سيارات، لا أصوات بشر، لا حتى صوت رياح. فقط طنين خافت جداً، منتظم، كأنه يأتي من تحت الأرض أو من داخل المباني نفسها.

وقف الدكتور م أمام آلته، يحدق في المدينة الغريبة، والعلبة المعدنية الفارغة ما زالت في جيبه كأثر من زمن لم يعد له وجود.

همس بصوت بالكاد يُسمع:

«نجحتُ...
أوه إلهي... لقد نجحتُ».

ثم ابتسم ابتسامة بطيئة وباردة، وهو يشعر للمرة الأولى منذ زمن طويل... بالخوف الحقيقي.

**الفصل العاشر**
**المدينة المخروطية**

وقف أمام الآلة دقائق طويلة لا يتحرك.

المدينة امتدت أمامه كحلم معدني بارد. مبانٍ مخروطية رمادية لامعة، بعضها يرتفع كأبراج حادة تخترق الضباب المنخفض، وبعضها الآخر أقصر وأكثر اتساعاً كقواعد ضخمة. لا نوافذ زجاجية، لا شرفات، لا إعلانات، لا أي شيء يدل على أن بشراً سكنوا هنا يوماً. السطوح كانت ملساء تماماً، تعكس الضوء الباهت للسماء الرمادية بشكل منتظم ومخيف.

السماء نفسها لم تكن سماء.
كانت قبة رمادية مصقولة، بلا شمس واضحة ولا غيوم عشوائية. ضوء منتشر من كل مكان ومن لا مكان، كأنه يأتي من المادة نفسها.

سار بخطوات بطيئة جداً على السطح المعدني الأملس. حذاؤه أحدث صوتاً خافتاً منتظماً كان يتردد في الصمت المحيط به. الصمت هنا لم يكن كصمت الأطلال بعد الحرب، ولا كصمت الغابة البدائية. كان صمتاً منظماً، مقصوداً، كأن المكان كله يستمع إليه.

توقف عند قاعدة أحد المخاريط الكبيرة. مد يده ولمس السطح. المعدن كان بارداً وناعماً بشكل غير طبيعي، خالياً من أي خدش أو صدأ أو أثر زمن. كأن المبنى بُني بالأمس، أو كأن الزمن نفسه لا يمر هنا بالطريقة التي يعرفها.

رفع رأسه إلى الأعلى. المخروط يضيق كلما ارتفع حتى يختفي في الضباب. لا باب. لا مدخل واضح. فقط سطح مستمر لا يكشف عن أي فتحة.

واصل السير.

مر بين عشرات المخاريط المتشابهة. الشوارع بينها لم تكن شوارعاً؛ كانت مساحات مفتوحة واسعة، منتظمة هندسياً، خالية من أي عشب أو تراب أو نفايات. في بعض الأماكن لمح فتحات دائرية في الأرض مغطاة بشبكات معدنية دقيقة، ومنها كان يأتي الطنين الخافت المنتظم الذي سمعه منذ خرج من الآلة.

لا أثر لبشر.
لا عظمة، لا قطعة قماش، لا كتابة، لا صورة، لا شيء يدل على أن جنسه مر من هنا.

شعر فجأة بثقل غريب في صدره. توقف وراح يتنفس بعمق. الوحدة التي شعر بها في الأطلال كانت وحدة الناجي الأخير. أما هنا... فكانت وحدة الكائن الذي لم يعد له مكان في العالم أصلاً.

همس وهو ينظر حوله ببطء:

«أين أنتم؟
هل اختفيتم تماماً؟
أم أنني... محوتكم؟»

لم يجبه أحد.

فقط الطنين الخافت استمر تحت قدميه، والسماء الرمادية ظلت معلقة فوقه كغطاء معدني لا نهائي، والمخاريط الصامتة راقبته من كل اتجاه كأنها تعرف أنه غريب... وتنتظر.

**الفصل الحادي عشر**
**مجتمع الحشرات**

رآهم لأول مرة عند الغسق.

كان يقف في ظل أحد المخاريط الكبيرة حين تحركت مجموعة من الأشكال على بعد خمسين متراً تقريباً. في البداية ظنها ظلالاً أو انعكاسات المعدن، ثم اتضح أنها كائنات حية... تسير في صف منتظم تماماً.

اقترب بحذر، مختبئاً خلف حافة بارزة.

كانوا نملًا... لكنهم لم يكونوا نملًا كما عرفهم.

حجم الواحد منهم يصل إلى نصف متر أو أكثر. أجسامهم مدرعة بمعدن داكن لامع أو بمادة كيتينية صلبة تشبه الدروع. أرجلهم الستة تتحرك بتناغم آلي مذهل، ورؤوسهم تحمل قرون استشعار طويلة تتحرك باستمرار كأنها تتذوق الهواء. بعضهم كان أكبر حجماً وأكثر ضخامة في الفكين، يمشون على جانبي الصف كأنهم حراس. وآخرون أصغر وأكثر رشاقة يحملون أجساماً مستطيلة لامعة يبدو أنها أدوات أو حاويات.

لم يصدروا أي صوت مسموع.
لكنه شعر بشيء... اهتزاز خفيف في الهواء، أو ربما في داخل رأسه، كأنهم يتواصلون بطريقة لا تحتاج إلى كلام.

ظل يراقبهم حتى اختفوا داخل فتحة دائرية في قاعدة مخروط آخر. الفتحة انغلقت خلفهم بسلاسة دون أي صوت.

خرج من مخبئه وسار نحو المكان الذي مروا منه. على الأرض لم يجد أي أثر أقدام بالمعنى البشري، فقط علامات دقيقة منتظمة كأن شيئاً ثقيلاً جداً مر برفق مدروس.

في الأيام التالية راح يراقب من بعيد.

اكتشف أنهم يعملون في نوبات لا تتوقف. مجموعات تخرج، ومجموعات تدخل. بعضهم يحمل مواد لامعة تشبه المعادن المصهورة، وآخرون يسيرون في تشكيلات عسكرية واضحة. في إحدى المرات رأى كائناً أكبر بكثير من الباقين، يقف في وسط ساحة مفتوحة بينما يحيط به عشرات النمل العاديين في دوائر متحدة المركز. قرون استشعاره كانت تتحرك ببطء شديد، والكل ساكن تماماً... كأنهم يستمعون إلى أوامر صامتة.

حاول الاقتراب أكثر من مرة.

في المرة الأولى توقف على بعد عشرين متراً من مجموعة صغيرة. أحدهم رفع رأسه نحوَه، وتحرك قرن استشعاره في اتجاهه لثوانٍ قليلة، ثم عاد إلى ما كان يفعله كأن شيئاً لم يكن. لم يهاجموه. لم يهربوا. ببساطة... تجاهلوه.

كأنه حجر.
أو ظل.
أو شيء لا قيمة له في حساباتهم.

جلس في تلك الليلة داخل آلته المغلقة، يحدق في الظلام، ويشعر بقشعريرة باردة تسري في عموده الفقري.

همس لنفسه:

«لقد تطورتم فعلاً...
وأصبحتم لا تروننا حتى».

ثم أضاف بعد صمت طويل، بصوت أكثر خوفاً:

«أو ربما... لم يعد هناك ما يستحق أن تروه فينا».

 
عودة
أعلى